Feeds:
المقالات
تعليقات

مدخل إلى الأناركية

ليز هايليمان

1988

تعريب: جوزف أيوب

ما هي الأناركية؟

إن الأناركية فلسفة سياسية مكتنفة في سوء الفهم. إلى حد كبير، يرجع هذا إلى حقيقة أن الفوضوية هي طريقة مختلفة في التفكير، حيث لا يمكن وصفها بشعارات بسيطة أو خطوط حزبية. في الواقع، إذا سألت عشرة أناركيين عن الأناركية، من المحتمل أن تحصل على عشرة إجابات مختلفة. الأناركية هي أكثر من مجرد فلسفة سياسية، بل هي طريقة حياة تشمل جوانب سياسية وعملية وشخصية.

إن العقيدة الأساسية للأناركية هي أن السلطة الهرمية – سواء كانت دولة، كنسية، بطريركية أم نخبة اقتصادية – ليست بضرورية فحسب، بل هي ضارة في حد ذاتها لتحقيق الحد الأقصى من الإمكانات البشرية. يعتقد الأناركيون عموما أن البشر قادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم على أساس الإبداع، التعاون، والاحترام المتبادل. هي اعتقاد بأن القوة بطبيعتها مفسدة، والسلطات حتما معنية باستمرارها الذاتي وزيادة طاقتها الخاصة، أكثر من القيام بما هو أفضل لناخبيها. عموما إن الأناركيين هم محافظين حيث أن الأخلاق مسألة شخصية، وينبغي أن تستند على رعاية الآخرين ورفاهية المجتمع، وليس بناء على قوانين تفرضها السلطة القانونية أو الدينية (بما في ذلك القوانين المبجلة مثل دستور الولايات المتحدة). معظم الفلسفات الأناركية تعتقد أن الأفراد مسؤولون عن تصرفاتهم الخاصة. السلطات الأبوية تعزز العقلية المذلة ​​حيث يتوقع من النخب اتخاذ القرارات وتلبية احتياجات الناس، بدلا من التفكير والعمل لأنفسهم. عندما تعطي سلطة لنفسها الحق في نقض أبسط القرارات الأخلاقية الشخصية، مثل من أجل ماذا يستحق القتل أو الموت (كما في التجنيد العسكري أو الإجهاض)، تتقلص حرية الإنسان بشكل لا يقاس.

يدرك الأناركيون بأن الاتصال بين مختلف أشكال القمع – بما في ذلك التمييز على أساس التحيز الجنسي، العنصري، الجنسي المغاير، الطبقي، والشوفيني الوطني- والاعتراف بعدم جدوى المعارضة، تركز على نموذج واحد للظلم في حين أن هناك أشكال أخرى لا تزال موجودة. يعتقد الأناركيون أن الوسائل التي تستخدم لتحويل العالم يجب أن تكون متلائمة مع الغايات التي يأمل المرء في تحقيقها. يعترض الأناركيون حول الاستراتيجيات والتكتيكات -بما في ذلك الحاجة إلى منظمات رسمية- واستخدام الإجراءات العنيفة للإطاحة بالمؤسسات العنيفة القائمة، بينما يتفق الأغلبية على أن التركيز يجب أن لا يكون مجرد تدمير النظام الحالي، ولكن على تشكيل بدائل جديدة أكثر إنسانية وأكثر عقلانية لتأخذ مكانها.

الأناركييون في التاريخ

لعب الأناركيون دوراً في الحركات الثورية على مر التاريخ. بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789  ذات عنصر بروتوفوضوي قوي. في بداية القرنين التاسع عشر والعشرين لعب أناركييون مثل بيير جوزيف برودون، بيتر كروبوتكين، ميخائيل باكونين، وأريكو مالاتيستا دوراً أساسياً في تطوير النظرية الأناركية الثورية. ولعبوا دوراً كبيراً في الحركات الثورية في روسيا في عام 1905 و 1917، ولكنها -الحركة الأناركية- في كثير من الأحيان قمعت بلا رحمة بمجرد أن البلاشفة وحدت سلطتها. كما مهدت الثورة الاسبانية 1936-1939 الطريق للتعبير على أوسع نطاق والأكثر شهرة للممارسات الفوضوية، والتي عملياً أنشأت بنجاح المنظمات الأناركية النقابية (FAI  وCNT)، بدائل غير هرمية اجتماعياً واقتصادياً. في الولايات المتحدة، وكذلك في المكسيك وأميركا اللاتينية، كان هناك تأثير للأناركية السينديكالية داخل الحركة النقابية (على سبيل المثال العمال الصناعيين في العالم). في بدايات 0019 شارك أناركييون بارزون مثل غولدمان إيما والكسندر بيركمان في مجموعة متنوعة من القضايا الراديكالية. كان هناك تيار أناركي قوي في العديد من التغييرات الاجتماعية وحركات تبديل نمط الحياة قي العام 1960 (بما في ذلك أجزاء من الحركة النسوية، حركة تحرير مثلي الجنس، الحركات المناهضة للحرب وحركات الخطاب الحر)، رغم أنه في كثير من الحالات كان يتم تعتيم هذه الحركات، إن لم يكن قمعها بصراحة، عن طريق التيارات الماركسية \ اللينينية \ الماوية.

ما هو غير الأناركية

في محاولة لتوضيح ما هي الأناركية، فمن المفيد دراسة ما ليس  أناركياً :

الشيوعية: في حين أن العديد من الأناركيين يقدّرون الطائفية والجماعية، يرفض الأناركييون حالة الشمولية الشيوعية القائمة والساقطة في الآونة الأخيرة، أو بدقة أكثر الماركسية اللينينية. تطور الخلاف بين الماركسيين والأناركيين في وقت مبكر من 1870 عندما نظر الأناركييون أن الماركسيين يستمرون باستبدادهم تحت اسم مختلف. وقد أكدت المجموعات الماركسية اللينينية على الحاجة إلى حزب الطليعة، وديكتاتورية البروليتاريا، هذه الأفكار التي تعارض بشكل أساسي الأفكار الفوضوية المناهضة للاستبداد والمنادية بالحرية الفردية القصوى. على الرغم من أن الماركسية الارثوذكسية تتنبأ بأن الدولة سوف  “تتلاشى” مع مرور الوقت، فقد شهدنا مرارا وتكرارا في الأنظمة الشيوعية توحيد سلطة الدولة وقمعها بالترافق مع الإصرار على الطاعة.

التحررية : كثيرا ما يجري الخلط بين الليبراليين الأناركيين، والقيام بالتشابك في كثير من النواحي. يتقاسم الفريقان على التركيز على الحرية الفردية والرغبة في التخلص من الدولة. يولي الكثير من الليبراليين الأهتمام للفرد والتأكيد على مبدأ المصلحة الذاتية المستنيرة. في حين يميل كثير من الأناركيين إلى التركيز أكثر على المساعدة المتبادلة والجهود المبذولة لتحسين ظروف جميع أفراد المجتمع. غالبا ما تتسم الليبرالية بوجهة نظرها الاقتصادية، الأمر الذي يضع الحد الأقصى المسموح به دون عائق على رأسمالية السوق الحرة (بعض أنصار يطلقون على أنفسهم “أناركيين رأسماليين”)، استباحة استخدام القوة في الدفاع عن الملكية الخاصة، تعارض أي تدخل حكومي يعيق الجهود لتعظيم المكاسب الاقتصادية الشخصية، وتخفيض القيم التي لا يمكن قياسها (عادة نقدية) اقتصادياُ. في حين أن الليبراليين مناهضين للدولة ، فإنهم غالبا لا يعارضون الهيمنة والتسلسل الهرمي في جميع أشكاله (غالبا ما يكون هناك ميل إلى “البقاء الأصلح” أو “[الاقتصاد] القوة تصنع الحق” في الفلسفة الليبرالية)، وعدم البحث جذرياً في تغيير علاقات القوة الاجتماعية، ولا سيما تلك القائمة على القوة الاقتصادية. يميل الأناركييون أكثر إلى المنظور الاشتراكي، ويفضلون التخلص من أي نظام حيث يستطيع الأثرياء تحقيق المنفعة غير المتناسقة مع من هم أقل حظا الذين يعانون من مشقة لا مبرر لها. بينما يقدر الأناركييون المبادرة الفردية، الذكاء، والإبداع، فمن المسلم به أن الذين يمتلكون هذه المواهب يعاملوا باحترام وعدالة. الموضوعية هي نوع من التطرف الليبرالي. الحزب الليبرالي معتدل نسبياً، ويميل إلى التركيز على قضايا مثل إصلاح النظام الانتخابي وإلغاء قوانين المخدرات، والحد من التنظيمات الحكومية. العديد من الليبراليين هم “ملاكيين” الذين يعتقدون أن بعض أشكال الحكومة أمر ضروري إلا أنها ينبغي أن تكون ضعيفة وغير مزعجة. مسألة ما هو نوع النظام الاقتصادي في المجتمع الأناركي هو أمر مفتوح. يعتقد بعض الأناركيون أنه يجب إلغاء جميع أشكال الرأسمالية واقتصاد السوق، والبعض الآخر يفضل النظام الذي يعزز ملكية العمال والديمقراطية القائمة على المشاركة الكاملة في إطار اقتصاد السوق، والبعض الآخر لا يزال يعتقد أن مجموعة متنوعة من النظم الاقتصادية يمكن أن تتعايش طالما انهم لا يحاولون فرض نظمها وقيمها على بعضها البعض.

الليبرالية: إن المفاهيم السياسية السائدة في هذا البلد تعادل ما بين اليسارية والأناركية وما بين اليسارية والليبرالية، ولكن هناك اختلافات حقيقية، من حيث الكم والنوع. إن فكرة “اليسار” هو مشكلة منذ 1990، حيث أن الكثير من السياسات الحديثة تميل إلى أن التموضع خارج اليسار التقليدي (ليبرالي) / اليمين (المحافظ). رغم أن معظم الأناركيين يدعمون القضايا “التقدمية” ولكن الأناركية لا تأخذ مكانها في التيار السياسي التقليدي. وقد اقترح بعض المنظرين منظومة على درجة من التسلط الاقتصادي والتسلط الاستبداد الاجتماعي باعتبارهما محورين منفصلين، كثير من الأحيان أولئك الذين يفضلون الحرية الاقتصادية يعارضون الحرية الاجتماعية، والعكس بالعكس. الكثير من السياسات التقدمية الحديثة تستند على “سياسة الهوية”، والفكرة التي تجذب اهتمامات المرء الأولية وتحالفاته هي على أساس الجنس / العرق / التوجه الجنسي. على الرغم من أن العديد من الأناركيين يستثمرون سياسة الهوية ، تتطلع الفلسفة الأناركية الأكثر شمولا الى الوقت الذي كان لا يحتاج فيها الناس إلى التركيز كثيرا على مثل هذه التصنيفات. في حين يميل الليبراليون إلى الدعوة للجهود الرامية إلى إصلاح النظام الحالي (من خلال وسائل مثل التصويت، الضغط، وبروز المنظمة)، للأناركيين وجهة نظر أكثر تطرفا، ويتمنون أن تستبدل المؤسسات الفاسدة تماما، وإعادة تشكيل مجتمع أكثر إنسانية من خلال وسائل العمل المباشر، من دون الاعتماد على أي شكل من أشكال تدخل الدولة. كما يعترف الأناركيون بقوة التطور عموما ، كذلك التبدل الثوري، كذلك يعترف بأنه من أجل تحقيق إعادة ترتيب حقيقي للمجتمع من الضروري القضاء على هيمنة العلاقات الهرمية أينما وجدت، تاريخيا لم يكن هذا أولوية الليبراليين. يسلم الأناركيون بأن شكل السلطة نفسها (سواء كانت رأسمالية، شيوعية، ديمقراطية أو توتاليتارية) هي منبع المشكلة، وعلى هذا النحو ، لا يمكن أن تكون أساسا للحل. بالرغم من أن بعض الأناركيين يرتبطون بالتصويت وينظمون الاحتجاج معتقدين بأن حتى التحسينات الصغيرة هي ترجمة جديرة بالاهتمام ، ويدركون أن مثل هذه الأنشطة هي مجرد خطوات مؤقتة، يجب على المرء أن يتخطاها لتحقيق تغيير حقيقي ودائم.

العدمية : وخلافا لعقيدة “معاداة كل شيء” في العدمية، الأناركيون لا يشجعون على العنف العشوائي، التدمير، و “كل رجل لنفسه” الخروج على القانون (على الرغم من أن هناك دائما عدد قليل من متبعي هذه الفلسفة يسمون أنفسهم “فوضويون”). والاعتقاد السائد بأن الأناركية تعادل الفوضى هو للأسف اعتقاد خاطئ نشأ من الاعتقاد وعلى نطاق واسع، غرس من قبل من هم في السلطة، أن هذه السلطة أمر ضروري للحفاظ على النظام. يعتقد الأناركيون أن تحقيق مجتمع كفوء، منظم، وعادل يكون على أسس غير مبنية على الهرمية، اللامركزية، والمشاركة.

بعض المسائل الخلافية

تحمل الأناركية وجهات نظر متباينة حول العديد من القضايا. واحدة من الخلافات الرئيسية هي مسألة الفرد مقابل المجتمع. تهتم الأناركية الفردية أهمية قصوى على حرية الفرد، في حين يركز الأناركييون الشيوعييون (والأناركييون السنديكالييون) على مصلحة الفئة الاجتماعية ككل، يكون المنفعيون في مكان ما بينهما. في المجتمع الأناركي المثالي، يتأمل تلبية احتياجات المجتمع ككل بطريقة عادلة دون المساس اللا مبرر بحرية الإرادة وتقرير المصير من قبل الأفراد.

مناقشة أخرى داخل الحركة الأناركية تتعلق بقضايا البيئة والتكنولوجيا

تشير الأناركية الكلاسيكية إلى تشابهاً مع مفاهيم الماركسية التقليدية لقيمة العلم والعقلانية، والمبدأ القائل أن التقدم التكنولوجي يفيد المجتمع عموما. يعتقد الكثير من الأناركيين الحديثين أن التكنولوجيا في حد ذاتها لا جيدة ولا شريرة، ولكن يجب أالتدقيق بها وتطبيقها بطريقة مسؤولة اجتماعيا من أجل تقديم خدمة أفضل لأولئك الذين يستخدمونها، وتتأثر بها. آخرون أناركييون معاصرون لديها تكنولوجيا مضادة، منظور وسطي بيئي (الأكثر تطرفا للبدائية و اللاضية الجدد)، ويعتقدون أن المجتمع الأناركي يمكن تحقيقه من خلال التخلي عن التقدم التكنولوجي والعودة أكثر إلى البدائية، متموضعاً ومتناغم بيئياً لطريقة الحياة.

إن مسألة القومية مهمة أيضاً. بصفة عامة، يدعو الأناركييون إلى فكرة الأممية (أو بالأحرى،  اللاوطنية) وتصوير مظاهر القومية والوطنية كمحاولة تقوم بها الدولة لزيادة قوتها من خلال تشجيع الانقسامات المصطنعة بين الناس. الدولة القومية هي بنية تخدم مصالح النخب المختلفة، في حين أن طبقات السكان الأدنى لا تزال في ظروف يرثى ​​لها  كما هو الحال في جميع أنحاء العالم. على الرغم من هذا، فإن بعض الأناركيين يحافظون على دعم النضالات التحررية الوطنية (مثلا الجهود التي يبذلها الفلسطينيون في منطقة الشرق الأوسط، القوميون السود في الولايات المتحدة، والشعوب الأصلية المظلومة في كل مكان) معتقدين بأن الدول الصغيرة المستقلة، وإن كانت استبدادية، هي أفضل من الإمبراطوريات الاستغلالية.

التيارات داخل الحركة الأناركية الحديثة

إن “الحركة الأناركية” في يومنا هذا ينظر إليها بشكل أكثر دقة  باعتبارها مجموعة من الحركات المختلفة ذات العديد من المظاهر السياسية والفلسفية المشتركة. بناء عليه، وأحيانا بشكل متباين للمبادئ الأناركية الكلاسيكية، نرى عدة مجموعات تقوم بتوسيع نطاق الأناركية المعاصرة، وبإعادة تعريف المفاهيم التقليدية للأناركية.

إن الأناركية النسوية تخلط المثل العليا للانسوية والأناركية. تركز الأناركية النسوية على تحرير المرأة ودور البطريركية أكثر من الأناركية الكلاسيكية، ولكن ليس لدرجة استبعاد غيرها من أشكال القمع (كما فعلت بعض أنواع الحركات النسوية الأخرى). لا تعتبر كل النساء الأناركيات أنفسهم أناركية نسوية، حيث لا يجب على الأناركية النسوية أن تكون انثى بالتحديد- إلى حدٍ كبير هناك تمييز بين كيف أن “محور المرأة ” يبنى على القيم من جهة والتشديد على جوانب الهيمنة من جهة أخرى. كما هو الحال مع العديد من الحركات السياسية في يومنا هذا، حيث أن مسألة الانفصال بين الجنسين لا تزال دون حل. من جهة، إن الاستمرار ضمن الحركة الأناركية في ظل الانقسامات المصطنعة بين الجنسين والتي فرضت من قبل النظام الاجتماعي الهرمي والذكوري تكون معادية لخلق مساواة حقيقية، وإلى كسر الحواجز التي يأمل الأناركييون في تحقيقه. من جهة أخرى، تشعر العديد من النساء بضرورة الحفاظ على مساحة للمرأة داخل الحركة التي كان عادة ما يسيطر عليها الذكور، وتعتقد أنه يجب الإعتراف بشرعية قضايا المرأة وإدماجها في الفلسفة الأناركية  قبل التمكن من تحقيق الوحدة الوطنية. عموما ترفض الأناركية النسوية حلول الدولتية لمشاكل المرأة (مثل الرقابة على المواد الإباحية في محاولة للحد من العنف ضد المرأة) لصالح التمكين الذاتي والعمل المباشر. يمكن وصف تنظيم الأناركية النسوية بالتركيز على اللامركزية، العمل واتخاذ القرارات على مستوى القاعدة الشعبية. عموما تعتقد الأناركية النسوية أن أفضل طريقة لتحقيق إمكانات الإنسان تكون عن طريق تجاوز الأدوار التقليدية للجنسين، وتشجيع تطوير “ذكورية” مفيدة وصفات “أنثوية” في جميع الناس، والمساواة في كل العلاقات.

يركز العديد من الأناركيين الحديثين على تطبيق المثل العليا لحرية الإرادة وتقرير المصير على حياتهم الشخصية. ضمن هذا التوجه هناك تشديد على قبول خيارات عدة في مجال الجنس، والأسرة، والعلاقات بين الأشخاص. ينبغي أن تقوم العلاقات على الاختيار الحر، وموافقة جميع الأفراد المعنيين، وليس بتكليف من القيود الحكومية أو الدينية أو الاجتماعية. هناك العديد من االشاذين الأناركيين- لواط، سحاق، مخنثين، ولا سيما المخنثين- تعزيز الأناركية لانهيار خطط التصنيف التقليدية تبدو ذات أهمية خاصة لأولئك الذين مع المنظمات غير التقليدية  و / أو المهمشة للهويات الجنسية والجنس. كما هو الحال مع الحركات النسائية تحتضن بعض الجماعات الشاذة  (لواط/ سحاق) للمبادئ المعادية للاستبدادية والعمل المباشر (على سبيل المثال، نشطاء الايدز الذين ينظمون برامج تبادل الإبر والنوادي التي تشتري ادارة الأغذية والأدوية الأميركية). مع الاعتراف بأن الوصايا التقليدية مثل الزواج، الأسرة الأبوية، والاستنساخ القسري هي لخدمة مصالح من هم في مواقع الحكم والسلطة، يؤكد الأناركييون على استكشاف الإبداع، وبدائل العلاقة الطوعية مثل زواج غير الأحادي، الأسر الممتدة، وطائفية تربية الأطفال، بالإضافة إلى الخيارات التقليدية الأكثر شيوعا. يريد الأناركييون عموما الحصول على حكومة خارجة عن أعمال تصديق العلاقات الشخصية، بدلا من التوسع في تصديق علاقات اثلي الجنس. عادة يعارض الأناركييون الشاذون الجهود الرامية إلى زيادة وجود مثلي الجنس في المؤسسات القمعية مثل الجيش.

على نقيض التزام الأناركية الكلاسيكية للإلحاد (إلى حد كبير استجابة لتأثير سلبي للمؤسسات الدينية التقليدية السلطوية)، يؤكد العديد من الأناركيين الحديثين على القيم الروحية (في كلا الوثنية الجدد المتنوعة واللاهوتي المتحرر داخل الديانات التقليدية). وهذا يعكس الاعتقاد بأن تحقيق الحد الأقصى من الإمكانات البشرية يتطلب اعترافا في الجانب الروحي والجاتب المتسامي لشخصية الإنسان وثقافته فضلا عن عقلانيته. في مجال الأخلاق، يعتمد الأناركييون على الشخصية المسؤولة والمهتمة بالآخرين بدلا من التركيز على التصريحات للسلطات القانونية أو الأخلاقية. عموما يؤكد الأناركييون الروحانيون على الترابط بين جميع أشكال الحياة، وعادة تتزامن معتقداتهم مع اولئك الموجهين ايكولوجياً، الأناركييون المهتمون بالطبيعة. حتى الآن لا يزال هناك عنصر الحادي جوهري بين الأناركييون الذين يعتقدون أن فكرة “القدسية” والاعتماد على “النظام العالي” لتعزيز المفاهيم الهرمية التقليدية معادية لتحقيق الحرية الإنسانية الكاملة.

إن المثل الأناركية غالبا ما تتبنى من قبل شباب بغاء، أصحاب الفن البديل، الهذيان “الطفيليين” وثقافات طلبة راديكاليين. يحاول هؤلاء الشباب الهروب من الظلم والإغتراب في المجتمع الاستهلاكي السائد من خلال تشكيل جماعات مقاومة على أساس أن العمل المباشر وسيلة لتحقيق الاعتماد على الذات مثل العيش الجماعي، الخضوع، محلات معلوماتية وخلق بدائل اقتصادية مثل تعاونيات مستقلة غذائية، إنتاج وتوزيع الموسيقى غير التجارية. في حين أن هؤلاء الشباب يقبلون العديد من المعتقدات الكلاسيكية الأناركية (وإن لم يكن عادة تحت هذه التسمية)، فإنهم عادة ما يكونوا أكثر اهتماما بتطبيق مبادئ مكافحة الاستبداد وتقرير المصير بطريقة عملية لممارسة المقاومة وحياتهم اليومية.  مع ذلك، يتجنب بعض الأناركييون المعاصرون “الحياة النمطية”، وبدلا من ذلك يركزوا على بناء مزيد من المجموعات رسمية وشبكات التي يمكن أن تنظم تغيير اجتماعي أوسع.

يرتبط الأناركييون بنسق واسع من وسائل النشر، إن كانت صحف غير رسمية أو قانونية وناشري الكتب ذو تاريخ طويل. يستخدم الأناركييون الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصالات الالكترونية على نحو متزايد. كثيراً ما وصف الإنترنت  بأنه مثالاً للفوضى، وبالفعل نمى وازدهر مع غياب سلطة الحكومة المركزية. توفر الاتصالات الالكترونية وسيلة لتجاوز الحدود الوطنية، ويمكن التقليل من أهمية الحواجز الثقافية كما العرق والجنس أيضاً. مع ذلك، هناك خطر واضح على أن زيادة الاعتماد على الاتصالات الإلكترونية من شأنه أن يعزز الحواجز الاقتصادية، وخلق مجتمع من “يملكون” المعلومات ومن “لا يملكون”. استخدم الأناركييون الاتصالات الالكترونية لوضع الخطط، نشر الأخبار الهامة، تبادل المعلومات، هناك لوائح بريدية ومجموعات من أعضاء مكرسين لمكافحة اللاسلطويين والأناركييون، فضلا عن مشاريع طموحة مثل أرشيف الصحافة الالكترونية الشجاعة. بوضوح تخاف الحكومات من حرية الانترنت، وتزيد جهودها لوقف التدفق الحر للمعلومات (تحت ستار مكافحة الفحش ومكافحة الارهاب). كما أن هناك أناركييون آخرون يعارضون الاتصالات الإلكترونية، سواء لأنهم يرفضون “الوساطة” أي “التفاعل الذي ليس وجها لوجه”، وبسبب الآثار البيئية الضارة للتكنولوجيا.

استنتاج
باختصار، الأناركية هي فلسفة معرفة متنوعة على نطاق واسع تم اعتمادها بشكل أو بآخر من قبل مجموعة واسعة من الأفراد والجماعات، كثير منهم لا يصرحوا بتسمية أنفسهم بـ “أناركيين”. تتعلق الأناركية بجميع أوجه الوجود. في التأكيد على الحرية، تقرير المصير، المسؤولية الشخصية، العمل المباشر، خلق البدائل، والتعاون الطوعى، لدى الأناركية الرؤية والمرونة لتوفير وسيلة ناجعة لتغيير حياة المرء، في حين أنها تعمل من أجل تغيير اجتماعي جذري ودائم الذي سيغير العالم.

Advertisements

هناك الإدانة فقط…!!

مقتطفات من بيان ثيودور كازنسكي

المجتمع الصناعي ومستقبله:

 تعريب جوزف أيوب

 ان الثورة الصناعية ونتائجها كارثة على الجنس البشري. فقد أدت إلى زيادة كبيرة في “متوسط العمر المتوقع” لأولئك الذين يعيشون في البلدان “المتقدمة”، لكنها زعزعت استقرار هذا المجتمع، وجعلت الحياة غير متحققة، تعرض البشر للإهانات، وتؤدي إلى معاناة نفسية واسعة النطاق (كذلك أدت في العالم الثالث إلى معاناة جسدية) وأضرار جسيمة في العالم الطبيعي.

 علم نفس اليساري الحديث

6- تقريباً يتفق الجميع على أننا نعيش في مجتمع مضطرب للغاية. واحدة من المظاهر الأكثر انتشارا في عالمنا المجنون هي اليسارية، ولذلك فإن مناقشة سيكولوجية اليسارية يمكن أن يكون بمثابة مقدمة لمناقشة مشاكل المجتمع الحديث بشكل عام.

7- ان ما نحاول مناقشته في اليسارية ليس الحركة أو الإيديولوجية كنوع سيكولوجي، أو بالأحرى مجموعة من النواع ذاته. وبالتالي، فإن ما نعنيه بـ “اليسارية” تظهر بشكل أكثر وضوحا في سياق مناقشتنا لعلم النفس اليساري.

9-  في الاتجاهين النفسيين اللذان يكمنان وراء اليسارية الحديثة نسميهما “الشعور بالنقص” و “الإفراط الإجتماعي”. الشعور بالنقص هو سمة اليسارية الحديثة ككل، بينما الإفراط الإجتماعي هو سمة شريحة معينة من اليسارية الحديثة، ولكن هذه الشريحة هي الأكثر تأثيراً.

الشعور بالنقص

10- “الشعور بالنقص” تعني مشاعر الدونية ليس بالمعنى الحرفي للكلمة فقط  ولكن مجموعة كاملة من الصفات ذات الصلة: تدني احترام الذات، الشعور بالعجز، الميول الاكتئابية، الانهزامية، الشعور بالذنب، كراهية الذات، وما إلى ذلك. إن اليساريون الحديثون يميلون إلى مثل هذه المشاعر (ربما أكثر أو أقل كبتاً)، وهذه المشاعر تكون حاسمة في تحديد اتجاه اليسارية الحديثة.

11- عندما يقوم شخص ما بتفسير أي شيء قيل عنه بشكل ازدرائي (أو عن الجماعات التي تعرّف عنه) نستنتج أن لديه مشاعر دونية أو احترام ناقص لذاته. هذا الاتجاه واضح وصريح  بين الدعاة لحقوق الأقليات، سواء كانوا أو لم يكونوا ينتمون إلى جماعات أقلية تدافع عن حقوقها .

15-  يميل اليساريون لكراهية أي شيء يحتوي على صورة قوية، جيدة، وناجحة. انهم يكرهون أميركا، يكرهون الحضارة الغربية، يكرهون الذكور البيض، ويكرهون العقلانية.

16- كلمات مثل “الثقة بالنفس”، “الاعتماد على الذات”، “المبادرة”، “المؤسسة”، “التفاؤل” ،وغيرها تظهر بشكلٍ بارز في المفردات الليبرالية واليسارية. اليسارية هي مناهضة للفردية، موالية للجماعة. تريد من المجتمع معالجة احتياجات الجميع، والإعتناء بهم. هذا اليساري ليس من النوع الذي لديه شعور بالثقة في قدرته على حل مشاكله وتلبية احتياجاته الخاصة. اليساري معادٍ لمفهوم المنافسة لأنه، في العمق، يشعر وكأنه خاسر.

17-  إن الأشكال الفنية التي تروق للمثقفين اليساريين الحديثين تميل الى التركيز على الهزيمة، الدناءة واليأس، وإلا فأنها تأخذ طابع طقسي لاأخلاقي، أي رمي السيطرة العقلانية كما لو كان ليس هناك أمل في تحقيق أي شيء من خلال حساب عقلاني وكل ما بقي هو أن تزج في أحاسيس اللحظة.

18-  يميل الفلاسفة اليساريين الحديثين الى استبعاد العقل، العلم، والواقع الموضوعي، والإصرار على أن كل شيء من وجهة نظر ثقافية هو أمر نسبي.

الإفراط الإجتماعي:

24- يستخدم علماء النفس مصطلح “التنشئة الاجتماعية” للدلالة على العملية التي يتم فيها تدريب الأطفال على التفكير والتصرف كما يطالب به المجتمع. حيث يكون الشخص جيد اجتماعياً إذا كان يؤمن ويطيع القانون الأخلاقي للمجتمع ويتلائم كذلك مع الممارسات الاجتماعية التي تعتبر جزءاً من هذا المجتمع. قد يبدو من الخطأ القول أن كثير من اليساريين هم مفرطين اجتماعيا، حيث ينظر إلى اليساري كشخص متمرد. ومع ذلك، يمكن أن يدافع عن موقفه. كثير من اليساريين ليسوا بمتمردين كما يعتقد.

25- الأخلاق في مجتمعنا قاسية بحيث لا يمكن لأحد أن يفكر ويشعر ويتصرف بطريقة أخلاقية تماما. على سبيل المثال، يفترض علينا أن لا نكره أحدا، ولكن تقريبا الجميع يكرهون شخص أو آخر في وقت ما، سواء كانوا يعترفون لأنفسهم بذالك أم لا. أن محاولة التفكير، الشعور، والتصرف أخلاقيا لدى البعض من ذوي المكانة الاجتماعية المرموقة تفرض عليهم عبئا شديد. من أجل تجنب الشعور بالذنب، عليهم الاستمرار بخداع أنفسهم حول دوافع خاصة بهم وإيجاد تفسيرات أخلاقية لمشاعرهم وأفعالهم التي في الواقع لها منشأ غير أخلاقي. لوصف هؤلاء الناس نستخدم مصطلح “الإفراط الإجتماعي”.

26- الإفراط الإجتماعي يؤدي إلى تدني في احترام الذات، الشعور بالضعف، الإنهزامية، الشعور بالذنب وما إلى هنالك.. أحد أهم الوسائل التي تربي الأطفال عليها هي بجعلهم يشعرون بالخجل من التصرف أو الكلام بما يعاكس توقعات المجتمع. إذا كان هذا مبالغا فيه، أو إذا كان طفل ما عرضة بشكل خاص لمثل هذه المشاعر، فانه يشعر في النهاية بالخجل من نفسه. علاوة على ذلك فإن فكر وسلوك الشخص المفرط اجتماعيا تكون أكثر تقيدا بحسب توقعات المجتمع من هؤلاء الأشخاص الأقل اجتماعيا.

27- علينا القول بأن شريحة مهمة جدا من اليسار الحديث هم مفرطين اجتماعيا وهذا الافراط الاجتماعي له أهمية كبيرة في تحديد اتجاه اليسارية الحديثة. يميل اليساريون من نوع المفرطين اجتماعيا الى ان يكونوا من المثقفين أو من أفراد الطبقة الوسطى.

28- يحاول اليساري من نوع المفرط اجتماعيا التخلي عن قيوده النفسية وتأكيد استقلاليته عن طريق التمرد. ولكنه عادة ليس قويا بما فيه الكفاية للتمرد ضد القيم الأساسية للمجتمع. عموما، فإن أهداف اليساريين اليوم ليست في نزاع مع الأخلاق المسلم بها. بل على العكس من ذلك، يأخذ اليساري مبدأ الأخلاق المسلم بها، يتبناها على أنها خاصة به، ومن ثم يتهم التيار الرئيسي للمجتمع بانتهاك هذا المبدأ. على سبيل المثال: المساواة العرقية، المساواة بين الجنسين، مساعدة الفقراء، السلام بدلا من الحرب، عموما نبذ العنف، حرية التعبير، والعطف على الحيوانات.

32- إن مشاكل اليسار تدل على مشاكل مجتمعنا ككل. فتدني احترام الذات، الميول الاكتئابية، وأيضاً الانهزامية لا تقتصر على اليسار. على الرغم من أنها ملحوظة في اليسار خصوصا، فهي منتشرة في مجتمعنا. والمجتمع اليوم يحاول الاختلاط بنا إلى حد كبير أكثر من أي مجتمعات سابقة. حتى أصبح يقال لنا من قبل الخبراء كيفية تناول الطعام، كيف تكون الرياضة، كيف تمارس الحب، وكيف نربي أطفالنا وهكذا دواليك.

 نهج السلطة:

 33- يحتاج البشر (على الارجح بيولوجياً) إلى شيء نطلق عليه اسم “نهج السلطة”. حيث يرتبط ارتباطا وثيقا بالحاجة إلى السلطة (الذي يعترف بها على نطاق واسع)، ولكنها ليست الشيء نفسه. يتألف نهج السلطة من أربعة عناصر. العناصر الثلاثة الأكثر وضوح هي: الهدف، الجهد، وتحقيق الهدف. (كل شخص يحتاج إلى أهداف التي تتطلب جهدا لتحقيقها، ويحتاج على الأقل بعض من اهدافه للنجاح في تحقيقها). العنصر الرابع هو أكثر صعوبة لتحديده وربما لا يكون ضرورياً للجميع، نسميه الحكم الذاتي وسيناقش لاحقا.

الأنشطة البديلة:

39- نستخدم مصطلح “الأنشطة البديلة” للدلالة على النشاط الذي يوجهه الناس نحو هدف مصطنع لأنفسهم وذلك لمجرد الحصول على بعض الأهداف والعمل من أجلها، أو دعنا نقول، لمجرد “الوفاء” الذي يحصلون عليه من متابعة أهدافهم.

 40- في المجتمع الصناعي الحديث لا يلزم سوى الحد الأدنى من الجهد لتلبية احتياجات الفرد المادية. يكفي أن تذهب من خلال برنامج تدريبي لاكتساب بعض المهارات الفنية البسيطة، وتأتي بعد ذلك العمل على بذل الوقت والجهد المتواضع للحفاظ على العمل. المتطلبات الوحيدة هي كمية معتدلة من الذكاء، والأهم من ذلك كله، الطاعة بسيطة. وإذا كان يتمتع أحدهم بذلك فيهتم المجتمع به من المهد إلى اللحد. (نعم، هناك طبقة دنيا لا يمكنها أن تأخذ الضرورات المادية كأمر مفروغ منه، ولكننا نتكلم عن التيار الرئيسي للمجتمع). وهكذا فليس من المستغرب أن المجتمع الحديث مليء بالأنشطة البديلة. وتشمل: الأعمال العلمية ،الإنجاز الرياضي، العمل الإنساني، الإبداع الفني والأدبي، تسلق سلم الشركات، الحصول على المال والمنافع المادية ما يتخطى النقطة التي يقف عندها اي ارتياح بدني إضافي، النشاط الاجتماعي عندما يتناول قضايا ليست مهمة بالنسبة للناشط شخصيا، كما في حالة النشطاء البيض الذين عملوا لحقوق الأقليات غير البيض. هذه ليست دائما أنشطة بديلة نقية، حيث كثير من الناس اندفعت بسبب الاحتياجات جزئيا وليس بسبب الحاجة إلى وجود بعض الأهداف لتحقيقها. قد تكون جزء من دوافع العمل العلمي هو خلق مظهر، والأبداع الفني حاجة للتعبير عن المشاعر، والنشاط الاجتماعي يشنها العداء. لكن بالنسبة لمعظم الناس الذين يسعوا لها، هذه الأنشطة هي في جزء كبير أنشطة بديلة. على سبيل المثال، معظم العلماء يتفقون على الأرجح أن “الوفاء” الذي يحصلون عليه من عملهم هو أكثر أهمية من المال والمكانة الذي كسبوه.

الإستقلالية
42- إن الحكم الذاتي كجزء من عملية السلطة لا يكون من الضروري لكل فرد.  ولكن معظم الناس في حاجة إلى درجة أكبر أو أقل من الاستقلالية للعمل من أجل تحقيق أهدافهم. يجب بذل جهودهم من تلقاء أنفسهم، وأن تكون ضمن توجيهاتهم  وتحت سيطرتهم. ومع ذلك فإن معظم الناس لا يبذلون هذه المبادرة، التوجيه، الرقابة كأفراد. عادة ما يكفي أن يكون عضو في مجموعة صغيرة. وبالتالي إذا ناقشت نصف دزينة من الناس هدفا فيما بينهم وبذلوا جهوداً مشتركة ناجحة لتحقيق هذا الهدف، حاجتهم لعملية السلطة تكون قد أنجزت. ولكن إذا كانوا يعملون بموجب أوامر صارمة صدرت من أعلى عندئذ لن يترك لهم أي مجال لاتخاذ قرار أو مبادرة مستقلة، عندها هم بحاجة لنهج السلطة. وينطبق الشيء نفسه عند اتخاذ القرارات على الجماعات حيث إذا كان اتخاذ القرار جماعي بحيث يصبح دور كل فرد تافه .

 44- ولكن بالنسبة لمعظم الناس احترام الذات، الثقة بالنفس والشعور بالقوة قضايا ضرورية لتحقيق الحكم الذاتي وذلك من خلال نهج السلطة. عندما لا توجد فرصة كافية للذهاب في جميع مراحل نهج السلطة تكون العواقب (اعتمادا على الفرد وعلى الطريقة):

 الملل، انخفاض الروح المعنوية والفوضى، قلة الثقة بالنفس، الشعور بالنقص والانهزامية، الاكتئاب، القلق، الشعور بالذنب، الإحباط والعداء، الاعتداء الزوجي أو على الأطفال، الرفاهية الطماعة، الشذوذ الجنسي، اضطرابات النوم اضطرابات الأكل، الخ …

نسبت الى بيان  تيد كازينسكي

النص الأصلي:

Syndicalism and Anarchism :Errico Malatesta

(April/May 1925)

تعريب: جوزف أيوب

إنّ العلاقة بين الحركة العمالية والأحزاب التقدمية هي موضوع قديم وبالي. لكنه أمر موضعي أكثر من أي وقت مضى، وهكذا سيبقى. من ناحية أخرى، هناك جماعة من الناس تعاني من الاحتياجات العاجلة وهي مندفعة بتطلعاتها – في بعض الأحيان عاطفية ولكن دائما غامضة وغير محددة – لحياة أفضل، ومن ناحية أخرى هناك غيرهم من الأفراد والأحزاب الذين لديهم رأي محدد في المستقبل والوسائل اللازمة لتحقيق ذلك، ولكن الذين خططوا وتأملوا قد فشلوا اكثر من أي وقت مضى في أن تظل اليوتوبيا بعيدة عن التناول ما لم يتمكنوا من كسب الجماهير. وهذا الموضوع هو الأكثر أهمية الآن، بعد كوارث الحرب وفترة ما بعد الحرب، والكل مستعد ولو عقليا فقط، لاستئناف النشاط الذي يجب أن يتبع عند سقوط الأنظمة الاستبدادية التي لا تزال تتبجح وتغضب [عبر أوروبا] ولكن هي بداية للقشعريرة. لهذا السبب سأحاول توضيح رأيي حول موقف الأناركيين للمنظمات العمالية.

اليوم، باعتقادي، لا يوجد احد، أو على الاقل لا أحد بيننا يستطيع ان ينكر فائدة وضرورة الحركة العمالية باعتبارها وسيلة مادية ووسيلة تقدمية أخلاقية، وباعتبارها أرضا خصبة للدعاية، وبوصفها قوة لا غنى عنها للتحول الاجتماعي الذي هو هدفنا. لم يعد هناك أي شخص لا يفهم ماذا تعني منظمة العمال، بالنسبة لنا نحن الأناركيون أكثر من أي شخص، ايماننا هو ان التنظيم الاجتماعي الجديد يجب أن لا يفرض من قبل الحكومة الجديدة بالقوة ولكن يجب أن ينجم عن التعاون الحر من قبل الجميع. علاوة على ذلك، الحركة العمالية هي الآن مؤسسة هامة وعالمية. لكي تعارضها عليك ان تصبح شريك الظالمين؛ وتجاهلها سيجعلنا بعيدين عن حياة الناس اليومية، وستديننا بالعجز الدائم. مع ذلك، في حين ان الجميع، أو تقريبا الجميع، متفقين حول فائدة وضرورة الفوضويون للقيام بدور نشط في الحركة العمالية وأنصارها ومروجيها ، كثيراً ما نختلف فيما بيننا على الشروط والوسائل والقيود من هذه المشاركة.

العديد من الرفاق في الحركة العمالية والحركة الأناركية يرغبون في أن تكونا نفس الحركة، حيث استطاعوا ذلك، في إسبانيا والأرجنتين، وحتى إلى حد ما في إيطاليا، فرنسا ، ألمانيا، وما إلى هناك – في محاولة لإضفاء برنامج الأناركية  على منظمات العمال  بشكل واضح. وقد عُرف هؤلاء الرفاق باسم “الأناركية السنديكالية”، وإذا اختلطوا مع آخرين الذين هم في الحقيقة ليسوا بأناركيين، اطلقوا على انفسهم السنديكالية الثورية. فإذا كان السؤال ماذا يرغب أحدهم في المستقبل؟ عندها يجب أن يكون هناك تفسير لمعنى “نقابية”، إذاً، النقابية تعني شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي ينبغي أن يحل محل الرأسمالية وتنظيم الدولة، فإما هي نفسها الفوضى وبالتالي الكلمة التي لا تؤدي إلا إلى إرباك، أو هي شيء مختلف عن الفوضى وبالتالي لا يمكن أن تكون مقبولة من الأناركيين أنفسهم. في الواقع، هناك بعض الأفكار والمقترحات التي وضعها بعض النقابيين حول المستقبل، هذه الأفكار هي حقاً فوضوية. لكن هناك آخرين، تحت أسماء وأشكال أخرى انتجوا بنى سلطوية تشكل سببًا  للعلل التي نحتج عليها الآن، والتي بالتالي ، ليس لها علاقة مع الاناركية. لكنها ليست سينديكالية كنظام اجتماعي اُعنى بالتعامل معه، لأنها ليست هي التي يمكن أن تحدد الإجراءات الحالية للإناركيين فيما يتعلق بالحركة العمالية.

انني اتعامل هنا مع الحركة العمالية في ظل النظام الرأسمالي والدولة، في حين اسم السينديكالية يشمل جميع المنظمات العمالية، وجميع النقابات المختلفة التي أنشئت لمقاومة الظلم وأرباب العمل في هدف تخفيف أو القضاء كليا  على استغلال عمل الإنسان من قبل مالكي المواد الخام ووسائل الانتاج. الآن أنا أقول أن هذه المنظمات لا يمكن أن تكون فوضوية، وأنه لا يجدي نفعاً الادعاء بأنها كذلك، لأنها إذا كانت كذلك سوف تخفق في تحقيق غرضها ولن تخدم الأناركييون الذين يشاركون في هذا الغرض. يتعين على النقابة بالدفاع عن مصالح العمال يوماً بعد يوم وتحسين أوضاعهم بقدر الإمكان قبل أن يقوموا بالثورة والتي عليها أن تغير الأجراء إلى عمّال احرار، وارتباطهم الحر لإفادة الجميع.

من أجل نقابة تخدم أهدافها الخاصة، وفي الوقت نفسه من أجل العمل كوسيلة تعليم وأرضية للدعاية تهدف الى تغيير اجتماعي جذري، فإنّ هذا يحتاج إلى جمع جميع العاملين معا – أو على الأقل أولئك العمّال الذين يعملون لتحسين أوضاعهم  والقادرين على القيام ببعض المقاومة لأرباب العمل. بما ان الجماهير قادرة بالفعل على صنع الثورة، هل يمكن أن ننتظر ربما جميع العمّال لكي يصبحوا اناركييون قبل دعوتهم إلى تنظيم أنفسهم، وقبل الاعتراف بهم في المنظمة، مما يعكس النظام الطبيعي للدعاية والتطور النفسي، وتشكيل منظمة مقاومة عندما لا يكون هناك أي حاجة؟ في مثل هذه الحالة فإن النقابة هي نسخة مكررة لهذا التجمع الأناركي، وسوف تكون عاجزة للحصول على تحسينات أو للقيام بثورة. أو أنها سترضي ذاتها بإعداد برنامج الأناركية مع اغفال دعم رسمي، وجمع الناس الذين يتبعون المنظّمون كالقطيع، عندئذ فقط – في أول مناسبة سيتخطوا العدو ويتم استدعائهم لطرح أنفسهم كأناركيين جدّيين؟

السينديكالية (وأقصد بها التنوع العملي وليس النوع النظري، حيث الكل يحيك الشكل الخاص به) هي اصلاحية السجية. كل ما يمكن أن يتوقع منها أن الإصلاحات التي تحارب من اجلها وتحققها هي ودية ومكتسبة عن طريق خدمة التعليم الثوري والدعاية  وترك المجال مفتوحا لصنع مطالب أكبر من أي وقت مضى. أي اندماج أو خلط بين الأناركية والحركة الثورية والحركة النقابية آيلة للإنتهاء إما عن طريق جعل النقابة عاجزة  فيما يتعلق بأهدافها المحددة أو عن تخفيف لهجة، وتزوير واطفاء الروح الأناركية. ويمكن للنقابة ان تتشكل مع برنامج اشتراكي ثوري أناركي، وهو في الواقع- من خلال برامج من هذا النوع- تنشأ برامج عمّالية مختلفة. وفي حين أنهم ضعفاء وعاجزين لكنهم اوفياء للقضية، وهذا يعني أنهم يبقوا مجموعات اعلامية قائمة بإدارة عدد قليل من الرجال المتحمسين والملتزمين، بدلا من منظمات على استعداد لاتخاذ إجراءات فعالة. لاحقاً، كلما نجحت في جذب الجماهير واكتساب القوة في المطالبة وفرض تحسينات، تصبح القضية الأصلية معادلة فارغة، التي لم يعد يهتم بها أحد.  تتكيف التكتيكات مع احتياجات اللحظة، وهواة الأيام الأولى إما يتكيفوا مع أنفسهم أو يتنازلوا عن مناصبهم لرجال “عمليّين” معنيين باليوم ، غير مكترثين بالغد.

هناك، بطبيعة الحال ، رفاق في المرتبة الأولى من الحركة النقابية، يبقون بصدق وبحماس أناركيين، كما أن هناك تجمعات عمالية مستوحاة من الأفكار الأناركية. لكن من السهل جداً العمل على النقد في البحث عن الآف الحالات التي في الممارسة اليومية، هؤلاء الرجال وهذه التجمعات تتعارض مع الأفكار الأناركية. الضرورة القاسية؟ أنا أتفق ان  الأناركية المحض لا يمكن أن تكون حلّاً عمليّا حين يضطر الناس للتعامل مع الرؤساء ومع السلطة. لا يمكن للجماهير الشعبية ان تُترك لأدواتها عندما ترفض العمل، الطلب، اعطاء الأوامر، والقيادة. لكن لماذا نخلط بين الأناركية مع ما ليس أناركياً ونأخذ على أنفسنا، كأناركيين، مسؤولية مختلف المعاملات والاتفاقات التي يجب القيام بها على أساس أن الجماهير ليست أناركية، حتى لو أنهم ينتمون إلى منظمة التي تبنت برنامج الأناركية في دستورها؟ في رأيي، الأناركيون لا يريدوا أن تكون النقابات أناركية. يجب على الأناركيين العمل فيما بينهم لغايات أناركية، كأفراد، جماعات واتحادات مجموعات. بنفس الطريقة كما أن هناك، أو ينبغي أن تكون، مجموعات للدراسة والمناقشة، ومجموعات للدعاية المكتوبة أو المنطوقة في العلن، مجموعات متعاونة، مجموعات العمل داخل المصانع والورش والحقول والثكنات والمدارس وغيرها، لذلك ينبغي عليهم تشكيل مجموعات داخل المنظمات المختلفة لتشن الحرب الطبقية. من الطبيعي أن يكون المثل الأعلى للجميع هي الأنلركية ولجميع المنظمات العمل أناركياً. ولكن من الواضح أنه إذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حاجة لتنظيم النضال ضد أرباب العمل، وذلك لأن أرباب العمل لن تكون موجودة.

في الظروف الراهنة، نظرا لدرجة تطورالفئات الشعبية في الأوساط التي يعملون فيها، ينبغي على الجماعات الأناركية أن لا تطالب بأن تكون هذه المنظمات أناركية، ولكن في محاولة لجذبهم إلى أساليب أناركية قدر الإمكان. إذا كان بقاء المنظمة واحتياجاتها ورغباتها تجعل من الضروري حقاً تقديم تنازلات والدخول في مفاوضات مع السلطة وأرباب العمل، فليكن ذلك. ولكن لنجعلها مسؤولية الآخرين، وليس الأناركيين ، التي تتمثل مهمتهم في إشارة إلى عدم كفاية وهشاشة كل التحسينات التي يتم إجراؤها داخل المجتمع الرأسمالي والنضال لدفع باتجاه حلول أكثر تطرفاً من أي وقت مضى. ينبغي على الأناركيين داخل النقابات ان يسعوا جاهدين لضمان البقاء على علاقة مفتوحة مع جميع العاملين أيا كان رأيهم أو حزبهم على شرط وحيد أن يكون هناك تضامن في الكفاح ضد أرباب العمل. ينبغي أن تعارض روح “الشركاتية” وأية محاولة لاحتكار العمل أو المنظمة، أن يمنعوا الاتحادات من أن تصبح أدوات للسياسيين لتحقيق غايات سلطوية أو انتخابية أو غيرها، بل يجب الوعظ وممارسة العمل المباشر، وتحقيق اللامركزية والإستقلالية والمبادرة الحرة. ينبغي أن تسعى جاهدة لمساعدة الأعضاء على تعلم كيفية المشاركة بشكل مباشر في حياة المنظمة، والإستغناء عن قادة ومسؤولين دائمين. يجب عليهم، وبإختصار، ان يبقوا أناركييون، وأن يبقوا على اتصال وثيق مع الأناركيين وان يتذكروا أن تنظيم العمال ليس النهاية، بل مجرد واحدة من الوسائل، مهما كانت أهميته، لتمهيد الطريق لتحقيق الأناركية.

نيسان – أيار 1925

ما هى السلطة؟

ما هي السلطة؟

ميخائيل باكونين

ترجمة: جوزف أيوب

ما هي السلطة؟ هل هي قوة حتمية للقوانين الطبيعية التي تعبر عن نفسها في روابط ضرورية وتعاقب للظواهر في العالمين المادي والاجتماعي؟ في الواقع، الثورة على هذه القوانين ليست فقط محرمة – بل حتى مستحيلة. قد نسيء فهمها أو حتى لا يمكننا معرفتها على الإطلاق، ولكننا لا نستطيع أن نعصيها؛ ​​لأنها تشكل الأساس، وهي الشروط الأساسية لوجودنا – هي تحيطنا، تتغلغل فينا، تنظم جميع تحركاتنا، أفكارنا وأعمالنا، حتى عندما نعتقد أننا نعصيها، لا نظهر سوى سلطتها المطلقة.

نعم، نحن وعلى نحو جازم عبيد لهذه القوانين. لكن في مثل هذه العبودية لا وجود للذل، أو بالأحرى، إنها ليست عبودية على الإطلاق. في العبودية يُفترض سيد خارجي، وهو مشرّع من الخارج- يصدر الأوامر، في حين أن هذه القوانين ليست خارجه عنا، فهي متأصلة فينا، بل تشكل وجودنا، وجودنا كله، جسديا، فكريا، وأخلاقيا، نعيش، نتنفس، نفعل، نفكر، ونرغب فقط من خلال هذه القوانين. بدونها نحن لا شيء، لا نكون. من أين يمكن إذن، أن نستمد القوة والرغبة للتمرد عليها؟

في علاقته مع القوانين الطبيعية – حيث تبقى حرية الإنسان ممكنة، وذلك بالإقرار وتطبيق هذه القوانين على أوسع نطاق – انسجاماً مع التحرر (الفردي والجماعي) من الأنسنة التي يسعى إليها الانسان. بمجرد ادراك هذه القوانين، تمارَس سلطة لن يتنازع فئة من الناس عليها. على المرء، مثلاً، أن يكون الإنسان إما أحمقاً أو لاهوتي او على الاقل ماورائي، قانوني أو برجوازي اقتصادي لكي يتمرد على القانون. عليه أن يمتلك ايمان لكي يتصور أن النار لن تحرق والمياه لن تغرق، فيما عدا، يمكن اللجوء إلى بعض الحيل التي تأسست بدورها على بعض القوانين الطبيعية الأخرى. غير أن هذا التمرد، أو بالأحرى، هذه المحاولات والاهواء  الحمقاء  للتمرد هي أمر مستحيل، هو بالتأكيد استثناء لما هو بشكلٍ عام، اعتراف لفئة من الناس بالحكومة في حياتهم اليومية – وهذا هو، مجموع القوانين العامة المعترف بها عموما –  بطريقة شبه مطلقة.

لسوء الحظ أن عددا كبيرا من القوانين الطبيعية، التي تأسست من قبل العلم، لا تزال غير معروفة لدى الجماهير، وذلك بفضل سهر حكومات الوصاية تلك التي وجدت، كما نعلم، فقط من أجل خير الشعب. هناك صعوبة أخرى – هي أن جزءاً كبيراً من القوانين الطبيعية مرتبطة مع تطور المجتمع البشري، التي هي إلى حد بعيد ضرورية، ثابتة، مهلكة،  كالقوانين التي تحكم العالم المادي، لم تنشئ  ويعترف بها من قبل العلم نفسه على نحو واجب.

إن أُدركت هذه القوانين – لمرة واحدة – من قبل العلم، وبواسطة العلم تحولت إلى وعي لدى كل انسان (من خلال نظام واسع في التعليم والارشاد الشعبي) وسيتم حل مسألة الحرية تماما. حينئذ يجب على السلطات الأكثر عناداً أن تعترف بأن لا حاجة إلى تنظيم سياسي أو لوضع تشريعات. ثلاثة أشياء مرتبطة بهذه السلطة: سواء انبثقت من إرادة سيادية أو من تصويت لبرلمان (انتخب بالاقتراع العام)، أو حتى مطابقتها لنظام قوانين الطبيعة – التي لم تكن يوما كذلك ولن تكون أبداً – هي دائماً قاتلة ومعادية لحرية الجماهير حيث أنها في الحقيقة تفرض نظاماً خارجياً، وبالتالي قوانين مستبدة.

إن حرية الإنسان تستند فقط على: أن يطيع قوانين الطبيعة، لأنه هو نفسه يعترف بها على هذا النحو، وليس لأنها تفرض نفسها عليه بأي ارادة خارجية، الهية أو بشرية كانت، جماعية أو فردية.

لنفترض أكاديمية تتألف من معظم ممثلي العلوم؛ وأن هذه الأكاديمية مكلّفة بتشريع وتنظيم المجتمع، في حين هذه التشريعات ليست مستوحاة إلا من محبة الحقيقة، ستكون هذه التشريعات في انسجام مطلق مع أحدث الاكتشافات العلمية. حسناً، من جهتي، هذا التنظيم والتشريعات ستكون كالمسخ، وذلك لسببين: أولاً، أن العلوم الإنسانية هي دائماً وبالضرورة ناقصة، وذلك مقارنة لما اكتشف مع ما تبقى ليُكتشف، حيث يمكن القول انها لا تزال في مهدها. وهكذا لكي تتبدل حياة الانسان العملية، جماعة أم فردًا، إلى التزام دقيق وحصري يترافق مع أحدث البيانات العلمية، علينا أن ندين المجتمع كما الأفراد لكي يعانوا الاستشهاد على سرير بروكرستس[1]، التي ستنتهي قريباً مؤلمة وخانقة لهم، حيث تبقى الحياة  أعظم من العلم في أي وقت مضى.

السبب الثاني: المجتمع الذي يجب أن يطيع التشريعات المنبثقة من أكاديمية علمية، ليس لأنه مدرك هذا الطابع العقلاني لهذا التشريع (في هذه الحالة وجود الأكاديمية تصبح عديمة الفائدة) ولكن لأن هذا التشريع المنبثق من الأكاديمية، كان المفروض باسم العلم أن يقدّس دون فهمه. مثل هذا المجتمع سيكون مجتمعا، ليس للإنسان، بل للبهائم. ستكون حالة أخرى من تلك البعثات اليسوعية التي أرسلت إلى حكومة  الباراغواي  لوقت طويل[2]. وبالتأكيد فإنها ستنحدر بسرعة إلى أدنى مراحل البلاهة.

يبقى هناك سبب ثالث وهو ما يجعل من المستحيل تشكيل مثل هذه الحكومة،  بمعنى تلك  الأكاديمية العلمية الممولة سيادياً،إذا جاز التعبير، بشكلٍ مطلق، وحتى لو كانت تتألف من ألمع الأشخاص، بحيث انها بالتأكيد سوف تنتهي من تلقاء نفسها في الفساد الأخلاقي والفكري.وحتى اليوم، هذا هو حال كل الأكاديميات مع بعض المزايا قليلة الممنوحة لها. بشكل حتمي، أعظم العباقرة العلميين منذ لحظة أن يصبح أكاديمياً يسقط في هفوات الخمول. ويفقد تلقائيته وعفويته، صلابته الثورية، وطاقته الوحشية لتحقيق عبقريته، وقدرته على تدمير العالم القديم وإرساء أسس جديدة. بدون شكأن كل ما يكتسبه من كياسة وحنكة نفعية وعملية هو ما يخسره من قوة فكره. في كلمة واحدة، سيصبح فاسداً.

هذا هي سمة الامتياز وكل مكانة ذات امتياز هي قاتلة لعقل وقلب الانسان. الانسان ذو امتياز، سواء كان اقتصاديا أو عمليا، هو رجل فسد في العقل والقلب. هذا هو القانون الاجتماعي الذي لا يقبل أي استثناء،  كما على الطبقات ينطبق على كل الدول، متعاونين أومنفردين. ذلك هو قانون المساواة، الشرط الأعلى للحرية والإنسانية. المبدأ الاساسي لهذه الدراسة هو بالضبط شرح هذه الحقيقة في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.

هذا الجسم العلمي الموثوق من قبل الحكومة سوف ينتهي قريبا من خلال تكريس نفسه ليس للعلم، بل من أجل شأنا آخر تماما: هو أن القضية ، كما هو الحال بالنسبة لجميع السلطات المتأسسة، ستبحث عن الدوام الأبدي من خلال تقديم مجتمع يتعهد أكثر من أي وقت مضى لرعاية الغباء وبالتالي في حاجة إلى المزيد من بسط حكومته واتجاها.

ولكن ما هو يصدق على الأكاديميات العلمية يصدق أيضا على جميع المجالس التأسيسية والتشريعية، وحتى على الذين وقع عليهم الاختيار عن طريق الاقتراع العام. في الحالة الأخيرة قد يجددوا مناصبهم، هذا صحيح، ولكن هذا لا يمنع في غضون سنوات قليلة من تشكيل  مجموعة من السياسيين والسياديين في الواقع وإن لم يكن في القانون، مكرسين انفسهم  للشؤون العامة للبلد حصراً، في النهاية يشكلوا  نوعا من الارستقراطية السياسية أو الأوليغارشية. وهذا ما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا.

وبالتالي في هذه المسألة لا يمكن فصل أي تشريع خارجي عن أي سلطة، وكلاهما يميل إلى عبودية المجتمع، وتدهور المشرعين أنفسهم.

هل نستنتج من ذلك أنني أرفض كل أنواع السلطة؟ انها بعيدة عن تفكيري. فيما خص الأحذية، أفضل سلطة صانع الأحذية – المنازل، القنوات، أو السكك الحديدية ، أستشير كل من المهندس المعماري أو المهندس. لكل معرفة خاصة اناسها.  ولكن لا أسمح لصانع أحذية أو لمهندس موهوب من أن يفرض سلطته علي. أستمع لهم بحرية وبكل احترام وذلك بسبب ذكائهم، طابعهم، معرفتهم، محتفظا دائما على حق النقاش، النقد، واللوم. أنا لا أكتفي باستشارة سلطة واحدة في أي فرع خاص، اقوم باستشارة عدد من المختصين؛ أقارن آرائهم، واختار تلك التي تبدو الأصح. لكنني على يقين بلا وجود سلطة معصومة، حتى في المسائل الخاصة، وبالتالي، مهما اكن احتراماً  لنزاهة وصدق هكذا افراد ، لا يوجد لدي ثقة مطلقة في أي انسان. هكذا إيمان هو قاتل للمنطق والعقل، للحرية، وحتى بالنسبة لنجاح المستقبل، بل سيحولني فورا إلى عبد غبي، واتحول أداة لإرادة ومصالح الآخرين.

إلى حد معين، وطالما يبدو ذلك ضرورياً، فإذا أنحنيت أمام سلطة متخصصين وابدي استعدادي لتبعية ارشاداتهم وكذلك توجهاتهم، وذلك لأن سلطتهم فرضت علي ليس من قبل أحد، لا من قبل انسان ولا من قبل الله. وإلا أرفضها برعب، وأدعو الشيطان للأخذ بنصيحتهم، توجهاتهم، كذلك خدماتهم ، حينئذٍ مؤكداً سأدفع الثمن، من جراء فقدان حريتي واحترامي لذاتي، من أجل قصاصات من الحقيقة، مغلفة في أكاذيب، قد تعطى لي.

أنحني أمام سلطة ناس مختصة لأنها فرضت من قبل عقلي. وأدرك عدم قدرتي على الفهم والتطور، في كل تفاصيل المعرفة الإنسانية. فالاكثر ذكاءاً لا يستطيع فهم الكل. لهذا السبب – كما للعلم كذلك بالنسبة للصناعة – هناك ضرورة لشراكة وتقسيم العمل. الأخذ والعطاء هي الحياة البشرية. الكل يوّجه ويتوجه بدوره. فليس هناك سلطة ثابتة ومستمرة، بل هناك تبادل مستمر للسلطة، وفوق كل شيء هذه السلطة هي طوعية وتبعية.

إذن، هذا السبب نفسه يمنعني أن أعترف بسلطة ثابتة، دائمة، وشاملة، لأنه لا يوجد انسان عالمي، أي انسان قادر على استيعاب كل التفاصيل، والتي بدونها يستحيل تطبيق العلم في الحياة، كل العلوم وجميع فروع الحياة الاجتماعية. وإذا تحققت مثل هذه العالمية في انسان واحد، لفرض سلطته علينا، سيكون من الضروري دفع هذا الانسان للخروج من المجتمع، لأن سلطته حتما من شأنها أن تضع الآخرين في العبودية والبلاهة. لا أعتقد على المجتمع أن يسيء معاملة اصحاب الفكر كما فعلت حتى الآن، ولكن أيضاً لا أعتقد أن يذهبوا بعيدا في ذلك، ناهيك عن منحهم أي امتيازات أو حقوق حصرية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، لأنه في كثير من الأحيان الانسان الدجال لن يكون عبقرياً، ثانياً: لأنه من خلال مثل هذا النظام من الامتيازات، فإنه قد يتحول الانسان العبقري إلى دجال، ويهتز أركانه، وتفسد اخلاقه، وأخيراً: لأن من شأنه إقامة سيد فوق نفسه.

                                                                                                                                                                                                                                                            1871


[1]  هي اسطورة يونانية بطلها اسمه (بروكرستس) كان يعاني من جنون عظمة جعله يتخيل أنه النموذج الأمثل للإنسانية المتكاملة، فكان يجبر الآخرين على النوم في سريره، فإن كان الضحية أطول من السرير قص الزائد من ساقيه، وإن كان أقصر من السرير شد الضحية حتى لو اضطر إلى خلع مفاصله.

[2]  بدأت البعثات التنصيرية من جماعة اليسوعيين في التوافد إلى باراجواي عام 1588م لتحويل الغوارانيين إلى طائفة الروم الكاثوليك.